محمد كرد علي

238

خطط الشام

مصر في جميع الشام ، قام بذلك المصامدة والسودان . وكان أتسز وأصحابه تركوا أموالهم بالقدس ، فوثب القاضي والشهود ومن بالقدس على أموالهم ونسائهم فنهبوها واستعبدوا الأحرار ، فخرج من دمشق فيمن انضوى إليه ، ودخل القدس فقتل ثلاثة آلاف إنسان ، واحتمى قوم بالصخرة والجامع فقرر عليهم الأموال لأنه لم يقتلهم وأخذ مالا كثيرا ، وسار إلى الرملة فلم ير فيها من أهلها أحدا ، فجاء إلى غزة وقتل كل من فيها فلم يدع بها عينا تطرف ، وجاء إلى العريش فأقام فيه وبعث سرية فنهبت الريف وعادت ، ثم مضى إلى يافا فحصرها وهدم سورها ، ثم عاد إلى دمشق ولم يبق من أهلها عشر العشر من الجوع والفاقة ، بل لم يبق من أهلها سوى ثلاثة آلاف إنسان بعد خمسمائة ألف أفناهم الوباء والغلاء والجلاء . وكان بها مائتان وأربعون خبازا فصار بها خبازان والأسواق خالية ، والدار التي كانت تساوي ثلاثة آلاف دينار ينادى عليها بعشرة دنانير فلا يشتريها أحد ، والدّكان الذي كان يساوي ألف دينار ما يشترى بدينار ، وأكلت الكلاب والسنانير والفيران ، وكان الناس يقفون في الأزقة الضيقة فيأخذون المجتازين فيذبحونهم ويشوونهم . وعاد الفاطميون يحاولون فتح دمشق وعليهم ناصر الدولة الجيوشي فحاصروها مدة ( 471 ) وترحلوا ، ثم حاصروها مرة ثانية واستولوا على أعمالها وأعمال فلسطين ، فاضطر صاحبها أتسز إلى الاستنصار بتاج الدولة ، فلما عرف ناصر الدولة الخبر رحل عن دمشق وقصد الساحل . وكان ثغرا صور وطرابلس في أيدي قاضييهما قد تغلبا عليهما ، ولا طاعة عندهما لأمير الجيوش الفاطمي ، ويصانعان الأتراك بالهدايا والألطاف . ووصل تاج الدولة إلى عذراء في عسكره لإنجاد دمشق فخرج أتسز إليه وخدمه ثم قبض عليه وقتله وملك تاج الدولة دمشق ، واستقام له الأمر وأحسن السيرة في أهلها بالضد من فعل أتسز وملك أعمال فلسطين ، ثم قصد حلب وملك حصن بزاعة ( 470 ) وقتل جميع من فيه ، وملك البيرة وأحرق ربض عزاز وغيرها من الحصون مع ما غلب عليه من القلاع المجاورة .